نخبة من الأكاديميين
200
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
في ما يتعلق بالتوجه العام للعلاقات الإسلامية - المسيحية والمؤثرات عليها نلاحظ أنه بعد نهاية الحروب الصليبية في الشام ظهر نمط من العلاقات بين المماليك والإفرنج ، وإن لم ينهِ الصراع السياسي والعقيدي القائم بين الطرفين ، إلا أنه أفرز أدوات جديدة لإدارته ؛ حيث أخذت العلائق السلمية الدبلوماسية والتجارية دفعة قوية بالمقارنة بما سبق . ولهذا اختلفت التحليلات حول تقويم حقيقة هذا النمط من العلاقات ، فإذا كان البعض قد رأى في هذا النمط وأدواته نهاية فعلية للروح الصليبية التقليدية فإن البعض الآخر لم يرَ فيهما إلا مجرد قناع جديد لهذه الروح تتفق والتغيرات في أوضاع الطرفين وأوضاع العالم . وفي حين رأى البعض فيهما أيضًا انتهاء للجهاد الإسلامي لدى المماليك ، فإن البعض الآخر رأى فيهما جهادًا بأساليب جديدة . كما اختلفت التحليلات أيضًا حول أسباب هذا النمط . فيرى البعض أنه يقترن مباشرة بالتطور في درجة اهتمام كل طرف بمعرفة أحوال الطرف الآخر . فبعد أن ظلت هذه المعرفة المتبادلة في غاية الضآلة أدى الالتحام العسكري المباشر ونتائجه خلال الحروب الصليبية إلى دفع كل من الطرفين للتعرف بدرجة أكبر على أحوال خصمه وعقائده ونظمه وتاريخه ، واقترن هذا بالطبع بالتطور في فهم كل طرف للآخر نتيجة التطور في سبل هذه المعرفة وقنواتها . فعلى سبيل المثال يرى البعض ( « 1 » ) أنه بدأت حركة الاهتمام الأوروبي بالتاريخ الإسلامي ليس بدافع البحث العلمي فقط ولكن بدوافع دينية ثم بدوافع سياسية مختلفة . ولقد مهد لهذا الاهتمام وسايره بعد ذلك خطوات متعددة مترابطة تمثل ركناً متيناً من حركة التبشير أولًا ثم حركة الاستشراق بعد ذلك والتي كانت يحركها دوافع سياسية أيضًا ، واقترن بهذا التزايد في المعرفة المتبادلة عبر هذه القنوات سمة جديدة في حالة الطرف الأوروبي هي خبو الحماسة الدينية ( التي سبق وأفرزت الصليبية الأولى ) نظرًا لضعف شأن البابوية بعد صراعها الطويل مع الإمبراطورية ، ونظرًا لانفصام عرى الوحدة الدينية والسياسية ، على نحو أثر على أساليب المواجهة مع العالم الإسلامي بعد انتهاء مرحلة النضال الصليبي العسكري . من ناحية أخرى : تفيض أدبيات غربية عديدة في شرح أسباب وأبعاد اختلاف رؤية الغرب للإسلام بعد حروب الجزء الأخير من العصور الوسطى عن رؤيته قبل هذه الحروب وأثناءها . فعلى سبيل المثال يبين البعض ( « 2 » ) أن الطاقة التي بذلتها أوروبا في هذه الحروب وفي بداية استعادة الأندلس لا تقارن بالطاقة التي بذلتها في الصراعات الداخلية والإقليمية بحيث بدت أوروبا منذ نهاية القرن 13 م أقل خوفا من الغزو الإسلامي لها . ومن ناحية أخرى تبين كيف أن الصليبية لم تكن إلا بمثابة رد فعل لفهم أوروبا - العصور الوسطى للإسلام والمسلمين والذي كان يعكس طبيعة أوروبا في هذه المرحلة أي أوروبا المسيحية اللاتينية التقليدية وكانت هوية أوروبا لا تتميز اقتصاديًا وثقافيًا عن باقي أجزاء العالم بل لم تكن درجة رخائها العام وقدر مواردها أو قدراتها التكنولوجية أو تطور مدنها تقارن بنظائرها الإسلامية . وفي نفس الوقت لم يكن الإسلام في نظر أوروبا إلا " بدعة وهرطقة " . ولقد تغيرت هذه الأوضاع وأخذت منحى آخر بعد ذلك مع تطور سبل معرفة كل طرف للأخر حيث زادت معرفة
--> ( 1 ) - د . جمال الدين الشيال : التاريخ الإسلامي وأثره في الفكر التاريخي الأوروبي في عصر النهضة ، دار الثقافة ، بيروت ، د . ت . ( 2 ) ( ) Norman Daniel : Islam , Europe and Empire , The Universty Press Edinburgh Co Ltd , 1966 . pp 7 - 10 .